اليوم الإثنين 24 يوليو 2017 - 1:41 مساءً
أخر تحديث : الإثنين 9 يناير 2017 - 10:37 صباحًا

مقهى كولومبو بوجدة: مكان ليس ككل الأمكنة

عبد السلام المساوي

23 أكتوبر 1980، إذن، عانقت وجدة، المدينة التي لم يسبق لي أن زرتها، أجهل تفاصيلها وأحياءها، أهاليها وأمكنتها… لم اتعب كثيرا، في شارع محمد الخامس استضافني مقهى  كولومبو… مكان ليس ككل الأمكنة، مقهى بنكهة خاصة وطقوس خاصة… منذ البداية عشقت المكان. ومازال هذا العشق يسكنني، قد أغيب عن المكان، وقد يطول هذا الغياب أحيانا، ولكن الحنين يشدني دائما إلى أول مقهى… أحن إلى قهوة كولومبو، إلى حلوى كولومبو… إلى خدمات كولومبو.. منذ البداية لاحظت أن المكان متميز، متميز من حيث خدماته، متميز من حيث زبنائه.. فضاء يقصده الفرنسيون والفرنسيات، يرتاحون إليه، يعتبرونه قطعة من مدينة الأنوار باريس… فضاء تلتقي فيه نخبة وجدة… فضاء محجوز للخاصة… لا يدخل هنا إلا من كان حداثيا… من كان مثقفا… فضاء للنقاش والتواصل… فضاء ثقافي وسياسي … عندما أجلس في مقهى كولومبو، أعود إلى ذاتي، إلى بداياتي الأولى في وجدة، أتذكر زملائي وأصدقائي… أتذكر ميكي وسيمي وعبد الله… أتذكر حسن وحميدة وجيلالي وهم صغار… أتذكر أيام حبي لامرأة ستصبح زوجتي، أتذكر الجلسات التي كانت تجمعني بها  في كولومبو في مرحلة الخطوبة ومراحل بعد الخطوبة… ومازالت الجلسات في كولومبو تجمعنا، مازالت مستمرة… أولادي وبناتي أحبوا المكان وهم صغار، ومازالوا أوفياء للمكان وهم كبار… مقهى كولومبو رمز ثقافي وملتقى حضاري… في كولومبو خفق القلب لحب امرأة اسمها فريدة، زوجتي وأم غسان وإلياس، صابرين وصفاء… في كولومبو خفق القلب للحب وللحياة في غشت من صيف 1982.

لم تكن مقهى كولومبو فضاء لتزجية الوقت ولا محطة لاستراحة المحارب اليومي اللاهث وراء شغف العيش بقدر ما أنها كانت مكانا رمزيا لاشتغال العين السوسيولوجية الفاحصة لتغيرات القيم والمواقف والأفكار، أو لنقل إن مقهى كولومبو كانت نقطة التلاقي التي يمكن أن نقرأ من خلالها تحولات المجتمع، وأن نسمع عبرها أصوات التنافر والتجانس التي يحبل بها الواقع، ثم نعيد تركيب السياقات والوقائع والرموز والأعلام في إطار نظيمة فعلي التأمل والتمثل، وهما من المقومات المركزية في الكتابة الإبداعية، التخييلية الرحبة، وكذا في الاستثمار النظري التشريحي للقضايا الفكرية التي تنتجها الذوات الفردية والجماعية… لم تكن، ولن تكون، مقهى كولومبو فضاء يقع على هامش الحياة أو ملاذا لتبديد الوقت، وممارسة بعض الألعاب الشعبية المتعارف عليها ببعض المقاهي.. ولم تكن تجمعا لمشاهدة التلفزيون ومتابعة مباريات كرة القدم في إطار بطولة الليغا الإسبانية.. إنها كانت عنصرا رئيسا في البنية العمرانية لمدينة وجدة، وكانت المدة الزمنية التي نقضيها في مقهى كولومبو أكبر من مختلف الأزمنة الأخرى، العمل والبيت، فكانت المواعيد في كولومبو يومية وقارة… لعبت كولومبو دورا مهما في حياة زبنائها لتصبح شاهدا على مختلف العلاقات والأحداث والإبداعات بين مرتاديها من أصحاب القلم، كما لعبت أدوار طلائعية في اكتشاف الفنانين ومد جسور التواصل بين المبدعين ورجال السياسة ومختلف الفئات الاجتماعية، ومنبعا لظهور عدة منابر صحافية…

إن مقهى كولومبو تذكرنا بظاهرة المقاهي والصالونات التي عرفتها فرنسا خلال القرن 18، عندما تحولت إلى حضن  لبلورة فكر الأنوار، وأنتجت أعمالا كبيرة لا زالت تحظى براهنيتها الأكيدة، رغم تغير الأزمنة والأحوال. ومن خلال هذه الفضاءات، أمكن قراءة المنطلقات النظرية والاجتهادات التنويرية للمرحلة بتتبع مسار التجارب المؤسسة لهوية التجديد الفكري الفرنسي للمرحلة، مثلما هو الحال مع مشروع الانسكلوبيديا التي أنجزها ديدرو أو أعمال رواد الفكر السياسي المعاصر من أمثال مونتيسكيو وجان جاك روسو وفولتير… وغيرهم من الأعلام الذين جعلوا من المقهى ملتقى للفكر وللحوار وللإبداع…

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات