اليوم الإثنين 24 يوليو 2017 - 1:42 مساءً
أخر تحديث : الجمعة 6 يناير 2017 - 9:35 صباحًا

السياسة وناس الغيوان

عبد السلام المساوي

وإذا كنت قد اقتحمت عالم السياسة في الثانوي، في خلية تلاميذية بثانوية عبد الكريم الخطابي… وإذا كنت قد انخرطت في العمل الحزبي ككاتب إقليمي للشبيبة الاتحادية بالناظور سنة 1975، فإن الانخراط الفعلي في الفعل السياسي كان بجامعة محمد بن عبد الله بفاس من سنة 1976 إلى سنة 1980 في إطار القطاع الطلابي الاتحادي وفي أحضان المنظمة الطلابية العتيدة، الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، زمن الحضر وزمن رفع الحضر والتحضير للمؤتمر الوطني السابع عشر.  سنوات السبعينات، الزمن الجميل، زمن اليسار برومانسيته وأحلامه الطوباوية… زمن ناس الغيوان، جيل جيلالة ولمشاهب… فؤاد نجم والشيخ إمام… مارسيل خليفة وأميمة الخليل… مطبوعات دار موسكو ودار الطليعة وماسبيرو…. البيان الشيوعي لماركس وما العمل للينين، في التناقض لماوتسي تونغ والمثقف العضوي لغرامشي… زمن المجلات المغربية المؤسسة لوعي يساري نقدي لمشروع ديموقراطي حداثي، أنفاس، الثقافة الجديدة، أقلام، الزمن المغربي، البديل، المشروع، كلمة، لا مليف، الأساس… زمن الكتب الممنوعة والمحظورة… زمن الجريدة الرمز، جريدة المحرر… سنوات السبعينات، زمن الجمر والرصاص… فضاءات جامعة محمد بن عبد الله، فضاءات كلية الأداب والحقوق، فضاءات الحي الجامعي وقاعتي مطعميه… كانت فضاءات للنقاش السياسي المحتدم… فضاءات نافست ساحة اغورا في أثينا….فضاءات للنضال والتظاهرات الطلابية… للحلقات والمسيرات… للصراع السياسي الهادئ أحيانا والعنيف أحايين كثيرة… وكان الصراع بين قطبين أساسيين من أقطاب اليسار، القطب الاتحادي والقطب اليساري الجديد بتلويناته (23 مارس وإلى الأمام). الصراع، إذن، كان بين التيار الإصلاحي وتيار التغيير الجذري… بين أنصار استراتيجية الاختيار الديموقراطي وأنصار استراتيجية التغيير الثوري… الصراع، إذن، كان بين فصائل اليسار، لأن حضور فصائل الإسلام السياسي، آنذاك، كان باهتا بل كان منعدما… بل يمكن القول إن زمن السبعينات كان زمن المد التقدمي والزحف اليساري،  وزمن انكماش قوى اليمين والمحافظة.

ومن الأمور التي يجب تسجيلها في المرحلة الجامعية أن النضال السياسي لم يكن على حساب الاجتهاد والنجاح… لا يدخل هنا إلا من كان متفوقا.. والانخراط في النضال السياسي يمر عبر النضال الدراسي،  فالنجاح شرط الوجود… لا يقبل في صفوف اليسار من كان كسولا، عابثا ومستهترا… هنا مجال التعالي عن الخواء المعرفي والفراغ الفكري… الطالب اليساري مطلوب منه أن يكون مثالا يحتذي في الممارسة والسلوك، في النضال والدراسة، في الأخوة والرفقة… والنتائج كانت تؤكد جدية ومسؤولية الطالبات والطلبة، أولئك الذين أدركوا أن تغيير المجتمع يبدأ من تغيير الذات، وأن الثورة المجتمعية تتأسس على خلق الكفاءات المقتدرة والنخبة الطليعية في كل عملية تغيير اجتماعي وسياسي.

ويشهد التاريخ أن يسار السبعينات كان مدرسة لتخريج الأطر والكفاءات، كانت ولا شك، لولا آلة القمع والتدمير، ستساهم في بناء المغرب… وهو بناء سيتأخر كثيرا… فالآن وفي العهد الجديد وبقيادة جلالة الملك محمد السادس يتم السباق مع الزمن وتدارك ما ضاع وتأخر.. العهد الجديد بعنوان بارز هو الإصلاح والمصالحة. وفي إطار مصالحة المغرب مع ماضيه، تم التصالح مع رموز اليسار، أولئك الذين انتصروا على سنوات السجن، وقساوة زنازن المعتقلات السرية… أولئك الذين تحدوا التعذيب وقهروا الموت… ثم التصالح مع رموز يسار الأمس وأنيطت بهم مسؤوليات كبرى، في الدولة والمجتمع، وأبانوا عن كفاءاتهم ومؤهلاتهم، وقبل ذلك أبانوا عن وطنيتهم… انخرطوا في البناء، بناء المستقبل والقطع مع الماضي، مع أخطاء الماضي، والخطأ ليس شرا،  تلك أخطاؤنا نعترف بها ونعتز بها، فالحقيقة هي خطأ تم تصحيحه.

مند بداية البدايات السياسية اخترت أن أكون يساريا،  لأن اليسار فكر كوني وتموقع سياسي له تاريخ ومفكرون، وقادة، ورموز، وتجارب، ومرجعيات. وقبل هذا وذاك، هو نسق متكامل من القيم، وتطور واضح ومنسجم لمشروع مجتمع.

وأن تكون يساريا هو أن تنتمي لهذا التيار البشري التاريخي للفكر الإنساني، كأن تؤمن وتتبنى قيم العقل، والحرية، والعدالة والتضامن، والانفتاح على الآخر، والتسامح، وأن تدافع عن مساواة البشر دون تمييز باسم اللون والجنس، أو المعتقدات أو الوضع الاجتماعي، أو الجنسية، وأن ترفض وتحارب كل خطاب أو ممارسة تدعو إلى الحقد أو التعصب، أو أي شكل من أشكال الاضطهاد والشمولية.

اخترت أن أكون يساريا، لأن اليسار في جوهره فكر التقدم والحداثة، وهو أداة وقاطرة التطور المستمر،  لذلك فهو مساند دائم للإبداع، والخلق، والعلم، والعقل. واليسار طبعا، لا يرى سبيلا لتحقيق مشروعه المجتمعي إلا بالديموقراطية، وهو في نفس الآن المدافع الدائم، والدرع الواقي لهذه الديموقراطية.

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات