اليوم الإثنين 24 يوليو 2017 - 1:34 مساءً
أخر تحديث : الخميس 5 يناير 2017 - 11:48 صباحًا

-لماذا اخترت الفلسفة؟

عبد السلام المساوي

وأنا طفل، وأنا تلميذ، كنت أتمنى دائما أن أصبح أستاذا… عشقت هده المهنة وأغرمت بالأستاذية… وكثيرا ما تقمصت شخصية المعلم والأستاذ، وكنت أتقمص دور المدرس مع أبناء وبنات الأقارب والجيران.

1976 سنة الحصول على الباكالوريا بثانوية عبد الكريم الخطابي بالناظور، وشد الرحال إلى مدينة  فاس، عاصمة العلم والفكر، وكان التسجيل في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد بن عبد الله بظهر المهراز…طالب جامعي في تخصص الفلسفة، الفكر والتفكير، المنطق والعقل… وما دفعني إلى اختيار الفلسفة، هو تميزها عن باقي المواد، بل وتميز أستاذ الفلسفة عن سائر الأساتذة الذين درسوني، إنه الأستاذ الكاتب المفكر والروائي المبدع، الأستاذ الميلودي شغموم… معه تعلمت التفكير، تعلمت كيف فكر عظماء الفكر والفلسفة، مند لحظة التأسيس مع اليونان إلى….

كان اللقاء مع محاورات سقراط التي صاغها أفلاطون بلغة جميلة ذات نكهة شعرية أو بعمق فكري تولده أسئلة فلسفية لتكسير المعتاد وتحطيم المألوف والنهوض من السبات العميق. “كل ما أعرف هو أنني لا أعرف شيئا”، كان هذا هو الدرس، أول درس تعلمته، وسيكون درسا مؤسسا لقناعاتي واختياراتي الفكرية والسياسية… درسا في الانفتاح على الآخر، في التسامح، في الإيمان بالرأي والرأي الآخر، في الإيمان بحق الاختلاف… في انهيار البداهات وتحطيم المطلقات… الحقيقة نطلبها ولا نمسك بها… لا أحد يمتلك الحقيقة، والفلسفة تحطم وهم اعتقاد امتلاك الحقيقة… من هنا كانت البداية لمحاصرة العنف بجميع أشكاله… إن الفلسفة تريد أن يختفي العنف من العالم… ومن سقراط إلى مثل أفلاطون فمنطق أرسطو… فالانتقال إلى محطة أساسية من محطات الفكر الإنساني،  محطة الفكر العربي الإسلامي حيث  لحظة التأسيس لممارسة الفكر الفلسفي مع علم الكلام المعتزلي المنتصر للعقل.. وكان الكندي في لحظة تعريب الفلسفة وتأصيلها. ومن الشيخ الرئيس ابن سينا إلى المعلم الثاني أبو نصر الفرابي بمدينته الفاضلة ونظريته في الفيض.. ومن الشرق إلى المغرب مع ابن  باجة وابن طفيل فالقمة ابن رشد سلطان العقول والأفكار…وفي أوربا العصر الحديث كان اللقاء مع عقلانية ديكارت في فرنسا وتجريبية لوك في انجلترا فنقدية كانط في ألمانيا… ومن الشك المنهجي إلى فلسفة التنوير والتحرير مع فلاسفة الأنوار، روسو، مونتسكيو… وكل الذين حطموا الأصنام والأوهام التي كانت تبثها الكنيسة في أذهان الناس في القرون الوسطى… وكانت بداية التأسيس لوعي جديد مع جدل هيغل في لبوسه المثالي ومع ماركس في تطبيقه المادي، وكانت المادية التاريخية رؤية جديدة للتاريخ والمجتمع ودافعا إلى الارتماء في أحضان السياسة من باب اليسار الاشتراكي… وكان القرن العشرين، والنقد الفلسفي المعاصر للماركسية مع وجودية جون بول سارتر،  فيلسوف الحرية بامتياز، وبنيوية لوي التوسير في قراءته للرأسمال، ومع ميشيل فوكو في حفريات المعرفة… ومن فينومولوجية هوسرل إلى براغماتية جون لويس…

وفي إطار جدلية العلم والفلسفة،  درست ايبستمولوجيا المعرفة العلمية… التحولات العلمية الكبرى في أواخر القرن 19 وبداية القرن العشرين وظهور الرياضيات المعاصرة مع نظرية المجموعات لجورج كانتور، والهندسات اللاإقليدية مع لوباتشيفسكي وريمان… وتأسيس الفيزياء المعاصرة مع اينشتاين في نظرية النسبية وماكس بلانك في نظرية الكوانتا… وما ترتب عن هذه التحولات العلمية من نتائج ايستمولوجية، أزمة الأسس، انهيار البداهة، انهيار المطلقات… تأسيس عقلانية علمية جديدة. الانتقال من العقلانية الديكارتية إلى العقلانية اللاديكارتية مع غاستون باشلار في مفاهيم المعرفة العلمية،  العقل، الواقع، الحقيقة… تأسيس النظريات العلمية على الحوار الشيق بين العقل والتجربة كحل للاختلاف الايستمولوجي القائم بين العقلانية الرياضية الصورية والوضعية الاختبارية المنطقية. ومن ايبستمولوجيا العلوم الحقة،  ايبستمولوجيا الرياضيات والفيزياء… إلى ايبستمولوجيا العلوم الإنسانية مع جون بياجي في علم النفس التكويني وكلود ليفي ستراوس في الانترويولوجيا البنيوية…

من الثانوية إلى الكلية، من الناظور إلى فاس… ومن القسم إلى المدرج، مدرج ألف في الطابق الرابع، عدد زملائي وزميلاتي في السنة الأولى يتجاوز 400 طالب وطالبة… جاؤوا من مختلف مدن وقرى المغرب،  من الريف والشرق، من الشمال والجنوب.. وكانت فرصة وجودية للانفتاح والتعرف على غنى الثقافة المغربية وتنوعها… كانت فرصة لفك العزلة وتكسير الانغلاق… كانت فرصة للحوار والتواصل…

منذ السنة الأولى درست الفلسفة في مختلف مباحثها ومحطاتها، مبحث الوجود، نظرية المعرفة، الفلسفة الإسلامية، الفلسفة اليونانية، الأخلاق، مدخل إلى علم النفس، مدخل إلى علم الاجتماع، المنطق… درستها من طرف أساتذة مصريين ومغاربة. وأسجل هنا أنه كانت للأساتذة المصريين أفضلية من حيث الشواهد العليا التي كانوا يحملونها، دكاترة دولة، وكانت للمغاربة أفضلية من حيث العمق الفكري والدقة المنهجية… نعم كانوا آنذاك أساتذة مساعدين، ولكنهم كانوا متمكنين، إنهم أساتذتي، أعترف بهم وأعتز بهم… ومما شوش على تكويننا الفلسفي والأكاديمي وهذا سأعيه لاحقا، سأعيه بعد تخرجي هو أن زمن السبعينيات كان زمن الإيديولوجيا بامتياز لذلك كنا لا نرتاح إلا للأستاذ الذي يتقن الخطاب الإيديولوجي بمضمون ماركسي… أهملنا الفلسفة وغرقنا في الإيديولوجيا.

وسنكتشف قصورنا المعرفي يوم أسندت إلينا مهمة الأستاذية وتعليم الفلسفة لتلميذات وتلاميذ أقسام الباكالوريا. وكانت المسؤولية، وكان الواجب يقتضي منا تكوينا ذاتيا شاقا وصارما… لا أنكر أنني تعلمت الفلسفة مع تلامذتي، تعلمتها يوم خلعت رداء الإيديولوجيا ولبست لبوس الفيلسوف… وكانت سنوات الثمانينات بداية القطيعة مع الإيديولوجيا والتأسيس لمرحلة التفكير الفلسفي.

وأنا طالب جامعي أسجل أن الجامعة لم تكن مؤسسة فقط، للتكوين العلمي والتحصيل المعرفي… محطة التعليم العالي… بل كانت أيضا،  بل وأساسا، مدرسة للتكوين السياسي والممارسة النضالية…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات