اليوم الإثنين 24 يوليو 2017 - 1:35 مساءً
أخر تحديث : الأربعاء 4 يناير 2017 - 1:27 مساءً

هدم سينما باريس محو لذاكرة وجدة

 عبد السلام المساوي

عرفت ثانوية عمر بن عبد العزيز قبل أن أعرف مدينة وجدة، بل قبل أن أزورها… مدينة وجدة التي سأستقربها، بحكم الشروط المهنية أولا وبحكم الزواج والأبناء ثانيا…. ويستمر هذا الاستقرار بحكم الارتباط الوجداني بهذه المدينة التاريخية والساحرة… وهذا سر من بين أسرار كثيرة أخرى لهذه الحاضرة الممتدة في الزمان والمتجذرة في التاريخ، قد تأتيها مكرها، قد يفرض عليك التعيين المهني اقتحامها والسكن في أحضانها… وتمر الأيام، وتمضي السنوات.. فترتبط بها وترتبط بك، تطمئن إليها وتطمئن إليك… تجذبك بسحرها… تسكنك بجمالها… تنسيك جميع المدن والحواضر… أشهد أنني يوم طلب مني تعبئة بطاقة اختيار المدن التي أريد الاشتغال بها، لم أختر مدينة وجدة ونيابة وجدة، بل اخترت مدنا أخرى، مدن المغرب النافع، الرباط، فاس، مكناس… لكن أصحاب القرار كان لهم رأي آخر، وكان التعيين بنيابة وجدة في ثانوية وادي الذهب… من هنا كانت البداية.. وكان الإعلان عن ميلاد أستاذ جديد لمادة الفلسفة.

لا أنكر أنني عشت في الأيام الأولى، في الشهور الأولى… بعض مظاهر القلق والإحباط، دخلت عالم وجدة مرغما… دخلته في اتجاه معاكس لرغبتي واختياري.. واليوم أعترف أن الاختيار قد يكون حلوا إنما التعيين أحلى، وكذلك كان بالنسبة إلي، قدمت إلى وجدة وأنا حزين، وتبين مع مرور الأيام وتوالي الأعوام أنه حزن مؤقت، غير مشروع، حزن مصدره التمثلات والتصورات الخاطئة، مصدره الانطباعات الوهمية والأحكام المسبقة… حزن ينم عن جهل بتاريخية وجدة وثقافتها العريقة والغنية… ترتاح في هذه المدينة الآمنة، تحبها وتحبك.. تعشقها، يرقد فيك هذا العشق، قد يختفي في أحايين كثيرة، ينسحب من ساحة الشعور ويغوص في أعماق اللاشعور… ولكن هذا العشق سرعان ما يستيقظ بقوة، ينتفض على اللاوعي، يدمر الإخفاء والاختفاء.. يستيقظ  إذا عزمت الرحيل من وجدة، أو بمجرد التفكير في الرحيل… فالسلام علي يوم جئت إلى وجدة، ويوم تزوجت ابنة وجدة، ويوم أنجبت ولدين وبنتين.. يعترفون ويعتزون بانتمائهم إلى عاصمة شرق المغرب… يعشقون مدينتهم ولهم فيها ما يعشقون.

وأنا صغير، وأنا تلميذ بإعدادية الكندي، وأنا تلميذ بثانوية عبد الكريم الخطابي… بمدينة الناظور طبعا، المدينة التي رضعت حبها في حليب أمي، غنيت حبها باللغة الأمازيغية في مختلف إنتجاتها وتجلياتها… في مرحلة الطفولة، إذن، وفي مرحلة المراهقة بشغبها وأحلامها، اكتشفت مدينة مغربية وكنت أجهل مدى قربها أو بعدها عن مدينتي.. لقد كنا نحيا في عالم منغلق، أبواب هذا العالم موصدة بفعل شروط ذاتية وموضوعية… تعرفت على مدينة وجدة عبر أمواج الإذاعة، إذاعة وجدة الجهوية.. وتعرفت على وجدة من خلال معلمتين بارزتين دالتين على شموخ هذه الحاضرة العريقة، ويتعلق الأمر بمعلمة فنية وأخرى تربوية، سينما باريس وثانوية عمر بن عبد العزيز… تعرفت على الأولى عبر الأثير، عبر أمواج الإذاعة الوطنية والجهوية…عندما كانت تبث الوصلات الإشهارية والإخبارية المتعلقة بالتظاهرات الثقافية والفنية التي كانت تجوب المدن والأقاليم… وكانت سينما باريس هي الفضاء الذي يستقبل مختلف الأنشطة التي تنظم بوجدة… وهكذا كان يتم تسويق اسم مدينة وجدة من خلال سينما باريس.. المكان، إذن، ليس مجرد مكان، بل كان رمزا ثقافيا وحضاريا، رحابا للفن والإبداع… وجدة المدينة التاريخية، الغنية بتراثها وفنونها، الحية بإنتاجاتها وإبداعاتها… كانت تفتقر إلى فضاءات عمومية لاحتضان الندوات والمحاضرات، اللقاءات والتظاهرات… العروض الفنية والمسرحية… وكانت سينما باريس تغطي هذا العجز وتعوض هدا الفقر… وهكذا كانت ترحب بأهل الفن والإبداع، رجال  الفكر والسياسة.

سينما باريس، إذن، لم تكن مكانا عاديا، بل كانت معبدا للثقافة والفن… عشقت هذه السينما وأنا طفل، والأذن تعشق قبل العين أحيانا، عشقتها وكنت أحلم بالصلاة في أحضانها مع الفنانين والمبدعين، مع المثقفين والمفكرين… أكتوبر 1980 سيتحقق الحلم، بل سيصبح واقعا… زرت المكان فوجدته أجمل من الحلم وأبهى من الخيال… هو نادي ومنتدى، هنا الوعي المؤسس للنضال، النضال الاجتماعي والسياسي… وهكذا، وفي سينما باريس، وفي إطار نادي السينما الذي كان يسهر على تسييره وتنشيطه الأساتذة الفرنسيون بوجدة، خصوصا أولئك الذين كانوا يشتغلون بثانوية عمر بن عبد العزيز، شاهدت أفلاما خالدة من حيث الصناعة السينمائية، الإبداع السينمائي والمضمون الإنساني… أفلاما للعرض والمناقشة… وكانت المناقشة خصبة ومنتجة، تكشف عن خلفيات الإنتاج وأبعاده، المناقشة التي أكسبتنا ثقافة سينمائية، فمداخلات أهل الاختصاص في النقد السينمائي، الإبداع الفني، الإنتاج الفكري والفعل السياسي كانت مدرسة في التربية والتكوين.

في سينما باريس عشقت المسرح من خلال المسرحيات التي كانت تعرض في هذا الفضاء الذي كان يعوض غياب قاعة المسرح بوجدة… دخلت فن المسرح من باب المسرحيات الرائعة، خصوصا تلك التي أبدعها المسرح العمالي بريادة الراحل الأستاذ محمد مسكين: “تراجيديا السيف الخشبي” – “امرأة، قميص وزغاريد”… وأخرى كثيرة… مسرحيات أرخت لمرحلة مضيئة في تاريخ وجدة الثقافي.. قمة العطاء الفني… الثقافة سيدة المرحلة والإبداع عنوان وجدة.

في سينما باريس تعرفت بالمباشر على كبار الفنانين والمطربين المغاربة، على رجال الدولة والسياسة، على رموز النضال والتغيير، على أعلام العلم والفكر… سينما باريس، مسار طويل وغني… والآن تدمر هذه المعلمة الثقافية، فجأة تدمر… زمن الثقافة ولى، زمن الإبداع اختفى… وانتصر الإسمنت على الفن، واغتصبت الأحجار الأشجار… وانهارت السينما لتعلو العمارة… إنه زمن العقار… ولنا في الذاكرة عودة إلى الإنسان، ورجوع إلى الزمن الجميل… ولنا في مسرح محمد السادس البداية، لنا الأمل في البقاء والاستمرار.

وإذا كانت سينما باريس استسلمت أمام قوى الهدم، وإذا كانت ساكنة وجدة وقفت متفرجة وهي تتابع مسرحية محو الذاكرة بشكل دراماتيكي، معلنة عجزها عن مقاومة سلطة المال… ويسجل التاريخ اقتلاع معلمة ثقافية، لتتحول إلى قصة يحكيها الكبار للصغار… وكانت هنا، ذات زمان، سينما باريس… إذا كان هذا هو مصير سينما باريس، فإن ثانوية عمر بن عبد العزيز ما زالت صامدة شامخة، بل إنها تزداد صمودا وشموخا… قد يكون الماضي عظيما إنما الحاضر أعظم… ولن تموت ثانوية عمر، مادام في العالم إنسان يتعلم، إنسان يفكر… ثانوية عمر التي أعلنت في سنة 1915 ميلاد الإنسان في وجدة، في المغرب… هي الماضي والحاضر والمستقبل… ثانوية عمر بن عبد العزيز، اسم كانت تلتقطه أذناي وأنا أنصت للإذاعة الجهوية بوجدة وهي تبث وصلات إشهارية تتعلق ببرنامج المسابقة بين الثانويات… كانت تلتقطه أذناي وينفذ إلى أعماقي، فارتبطت وجدانيا بهذه الثانوية منذ كنت تلميذا بكوليج الكندي بالناظور… أعجبت بالثانوية فرسمت لها صورة في مخيلتي، وأعجبت بألقها وتفوق تلاميذها… وكنت دائما أتمنى أن أزورها وأتعرف عليها كواقع لا كتصور… هكذا، إذن، تعرفت على وجدة من خلال عنوانين بارزين، سينما باريس وعمر بن عبد العزيز…

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات