اليوم الأربعاء 22 فبراير 2017 - 9:58 مساءً
أخر تحديث : السبت 7 يناير 2017 - 9:16 صباحًا

ميلاد أستاذ جديد للفلسفة

عبد السلام المساوي

يونيو 1980 نلت شهادة الإجازة في الفلسفة تخصص علم الاجتماع بميزة مستحسن،  وكنت الأول في دفعتي… مرتبة أهلتني لأحظى بمنحة متابعة الدراسة بفرنسا… استقبلني عميد كلية الآداب بمكتبه رفقة زميلي الطالب برهومي الوافد من بني ملال والذي احتل المرتبة الثانية… استقبلنا مهنئا،  وبشرنا بحصولنا على المنحة تشجيعا لنا وتحفيزا لمتابعة الدراسات العليا ونيل شهادة الدكتورة.. سرنا هذا الاستقبال الذي ينم عن الاعتراف والتقدير،  وافرحنا الفوز بالمنحة، فالسفر إلى الخارج ومتابعة الدراسة هناك… كانت أحلاما مغرية.

وجاءت العطلة، موسم العودة إلى الناظور، عدت إلى مدينتي يغمرني الفرح والرضا عن النفس،  أنهيت المحطة الأولى من مساري الجامعي بتفوق.. تمر الأيام وتمر الأسابيع، توارت مشاعر الغبطة والسرور التي غمرتني مند إعلان النتائج… اختفت هذه المشاعر وحلت بدلها مشاعر الارتباك والقلق… مشاعر مصدرها عدم الحسم النهائي في إطار الصراع النفسي الشعوري من نوع إقدام إقدام، كان الاختيار صعبا، هل أسافر إلى باريس لمتابعة الدراسة أم أحضر ملف التعيين… وأخيرا لهذه الأسباب أو تلك، لأسباب ذاتية وأخرى موضوعية… ولكن يمكن أن أعترف اليوم بأنها لم تكن أسبابا حقيقية بل فقط مبررات الهدف منها طمأنة الذات وإبعاد التوتر… صرفت النظر عن السفر وقررت القعود هنا واخترت مزاولة التدريس… ولقد تبين فيما بعد انه اختيار خاطئ، اختيار ترتب عنه ندم ما زال يلازمني.

صيف 1980 جمعت الأوراق وهيأت الملف، وضعته لدى الجهات المختصة في الرباط… إنني انتظر… في أكتوبر توصلت بالتعيين في إطار الخدمة المدنية، أستاذ بنيابة وجدة… وجدة التي لم أردها ولم تسؤني، لم أردها لأنني لم أطلبها كاختيار، إذ كان الاختيار الرباط أو فاس كمدينتين جامعيتين عريقتين، وكان الهدف هو العمل ومتابعة الدراسة، خصوصا وأنني أضعت فرصة الدراسة في فرنسا،  وكان التبرير هو المكوث في المغرب والجمع بين التعليم والتعلم… وكان التعيين في وجدة وتبخرت الآمال. إلا أن هذا التعيين لم يسؤني إذا قارنته بأصدقائي الذين تم تعيينهم في مناطق نائية، في هوامش أقاليم الجنوب… لقد كنت محظوظا، إذن كان تعييني في مدينة وجدة. المدينة التي تسحر الداخلين وتفتح أبوابها التاريخية مرحبة بالوافدين.

في صباح يوم الاثنين 23 أكتوبر 1980 تسلمت تعييني من نيابة وجدة، أستاذ بثانوية وادي الذهب،  وكانت ثانوية شابة، حديثة النشأة مقارنة بثانويات عريقة، عمر بن عبد العزيز، زيري بن عطية،  عبد المومن، زينب النفزاوية… وكلها توجد في المركز، في قلب مدينة وجدة… وكانت ثانوية وادي الذهب ضمن ثانويات المحيط… ثانوية بحي لازاري،  يوم كان لازاري أرضا خلاء، وحدها مع ثكنة السيمي يؤثثان المشهد… وكانت ثانوية وادي الذهب تستقطب كل أبناء وبنات لازاري والأحياء المجاورة له… وكانت الثانوية بفضائها الشاسع جدا تجمعا بشريا معزولا عن المركز… بل كانت المتنفس الوحيد للتلاميذ والتلميذات، كانت أكثر من ثانوية… فضاء عمومي تمارس فيه مختلف الأنشطة وتفجر فيه الطاقات وتبرز فيه المواهب… فضاء للعلاقات الإنسانية في أبعادها الوجدانية والعاطفية.

تعرفت على ثانوية وادي الذهب، وقعت وثائق الالتحاق وتعرفت على مدير المؤسسة السيد لخضر حدوش، شخصية استثنائية، مسالمة… إنسان يريد أن يبدو صارما، ولكنها صرامة لا تخفي هشاشته… أشهد انه كان مخلصا في عمله، التواجد في الثانوية وتدبير أمورها… شغله الشاغل في الوجود… لم يكن خبيثا، كان متسامحا. تسلمت جدول الحصص،  أسندت إلى أقسام البكالوريا… المهمة جديدة شاقة وعسيرة، تحدي ومسؤولية، وكانت البداية بمثابة اقتحام للمجهول… سأمارس فعل التفلسف كأستاذ ومدرس، فجأة وبدون تحضير، بدون تحضير بيداغوجي ولا تهيئ نفسي… لقد جئت من الجامعة، لم أتلقى أي تدريب مهني ولا أي تكوين تربوي… إذن، علي أن أتقن دور الأستاذ،   أستاذ الفلسفة، وأنا لم أتدرب على هذا الدور من قبل… نعم لقد سبق أن تقمصت هذا الدور وأنا صغير، عندما كنت أقلد معلمي… واهتديت الآن إلى استحضار تجارب الأساتذة الذين درسوني في مختلف الأطوار، خصوصا التجارب الناجحة، أو على الأقل تلك كانت تبدو لي أنا ناجحة، واتخذتها كمرجعيات داعمة وموجهة، واعتبرت أن النجاح يبدأ من التحضير الجيد للدروس، وكذلك كان… بإرادة قوية وبرصيد معرفي، بجرأة فكرية وتمكن لغوي، بميكانيزمات التفكير وآليات التحليل،  بصرامة المنطق ودقة المنهج… استطعت التغلب على الدهشة والانتصار على مشاعر الارتباك والتوتر… ويظهر أن انخراطي المبكر في العمل الحزبي والمشاركة في الاجتماعات والتجمعات، في اللقاءات والتظاهرات، في المحاضرات والندوات… يظهر بأن كل هدا أكسبني تقنيات التواصل واكسبني قوة الخطاب وفن الإلقاء… وهكذا ومنذ بداية البدايات انسجمت مع تلميذاتي وتلاميذي،  انتزعت اعترافهم وكسبت ثقتهم… وقبل ذلك كسبت حبهم واحترامهم… ولتوفير شروط النجاح، كان علي أن أقرأ وأراجع، أن احضر واجتهد… أن أنسق مع زملائي في مختلف المواد، أولئك الذين سبقوني إلى حقل التدريس… كنت أتعلم… وأسجل أنني كنت أبدل مجهودات كبيرة، كنت احضر دروسي بمجهودات تفوق بكثير المجهودات التي أحضر بها الامتحانات وأنا طالب في الجامعة… كنت واعيا كل الوعي أن الفشل في الامتحان الجامعي يخصني أنا وحدي،  في حين أن الفشل في التدريس يمس الآخرين، يضر بتلميذاتي وتلاميذي وتلك كانت مسؤولية أخرى. لما التحقت بعالم التدريس،  كنت في عمر الزهور، بالكاد 24 سنة،  شابا يتدفق دينامية ونشاطا… إثبات الذات سيدة الميدان والطموح عنوان المرحلة… مرحلة الإنتاج والعطاء… آمال لا تنتهي وأحلام لا حدود لها… تلاميذي وتلميذاتي في سن يقارب سني، منهم من يصغرني بعام أو عامين، ومنهم من يكبرني بمثل المسافة العمرية،  فبعضهم تتلمذ على يدي، نجح وتخرج فاشتغل وأتاه التقاعد قبل أن يأتيني… إذن، كانت شروط التواصل متوفرة، وأسباب الانسجام قائمة… كنا نتقاسم نفس الهموم والآفاق… كانوا مناضلين ومناضلات، جادين ومجتهدين… يتحدون الصعاب والمعيقات، ينتصرون على الفقر وكل أشكال المعاناة الاجتماعية… النجاح في الدراسة هو الحل… هو المستقبل… وفعلا نجحوا، نجحوا في الدراسة والحياة… هم الآن أطر عليا في مختلف الحقول والمجالات، في القطاع العام والخاص…أطباء ومهندسون، معلمون وأساتذة، محامون وإعلاميون، تجار ومقاولون، فاعلون ومنتجون… فلهم ألف تحية وتقدير… إنهم جديرون بكل حب واحترام… تلاميذي وتلميذاتي، أحبهم واعتز بهم، أقدرهم وأفتخر بهم… هم نغم في حياتي،  سر وجودي وجوهر كينونتي… وأن أجمل لحظة أعيش فيها انتشاء انطولوجيا، هي اللحظة التي أصادف فيها، ألتقي فيها، أحدهم إحداهن في قطاع من القطاعات، في مؤسسة أمنية، اقتصادية، اجتماعية، سياسية… في منصب من المناصب أو مسؤولية من المسؤوليات… فيخاطبني: أستاذ هل تذكرني، أنا تلميذك، أنا تلميذتك… لقد ساهمت في بناء الإنسان… في بناء الوطن.

تلميذات وتلاميذ ثانوية وادي الذهب في الثمانينات والتسعينات، في سنوات الجمر والرصاص… كانوا جادين ومجتهدين، ناجحين ومتفوقين… ولكنهم، في نفس الوقت، كانوا غاضبين ومتمردين… ظروف اجتماعية قاهرة جعلتهم يحتجون وينتفضون، يصرخون ويتظاهرون… يعلنون وجودهم ويسجلون مواقفهم… كانت ثانوية وادي الذهب بؤرة الإضرابات وقاطرة الاحتجاجات التلاميذية… هي البداية والمنطلق لكل انتفاضة تلاميذية بوجدة… من هنا كان الاشتغال في هذه الثانوية صعبا جدا… عيون الرقابة لا تنام… إلصاق التهم بالأساتذة جاهزة… البحث عن الأساتذة المحرضين على الشغب مستمر ودائم. وكان الأمر يقتضي الكثير من الحذر والترقب إبعادا لكل شبهة، وعلى كل أستاذ خصوصا ذلك الذي يحمل صفة سياسي أن يبدي حسن السيرة. كنا نشتغل في ظروف ملغومة… فتوقيف الأساتذة وقطع أرزاقهم، ومختلف أشكال الترهيب والتخويف… كلها عناصر تدل على استثناء المرحلة بإخفاقاتها ونيرانها.

في الثمانينات،  كنا نحن أساتذة الفلسفة،  نعاني من تهمة أخرى،  تهمة خطيرة من حيث أبعادها المجتمعية، وامتداداتها الهوياتية، وهي تهمة ألصقت بالفلسفة والفلاسفة العرب المسلمين، منذ لحظة التأسيس إلى القمة ابن رشد،  تهمة الكفر والزندقة… الزمن زمن محاصرة العقل والفلسفة، والهدف هو الإطاحة باليسار، رمز النضال والتغيير… وانضافت إلى أساليب القمع الجسدي أساليب القمع الفكري، تضييق الخناق على الفلسفة وأساتذتها، وتشجيع المد الأصولي وحركات الإسلام السياسي،  تقليص حصص تدريس مادة الفلسفة، إقصاؤها من الجامعة وتعويضها بشعبة الدراسات الإسلامية. وفي الثمانينات تم تغيير مقرر الفلسفة وإلغاء الكتاب المدرسي الذي أشرف على تأليفه أساتذة أكفاء ومقتدرون، العمري، اسطاتي والمفكر الكبير محمد عابد الجابري، وتم تعويضه بمقرر الفكر الإسلامي والفلسفة بخلفيات وأهداف مغايرة، تدمير اليسار واجتثاث الفكر العقلاني النقدي… وكنا كأساتذة للفلسفة ومدرسين للفكر الإسلامي حريصين كل الحرص على تجنب كل قراءة تجلب لنا متاعب تهمة الخروج عن الدين… كنا نعلم تلامذتنا (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) ونؤكد توافق الدين والفلسفة (فالحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له) كنا نحمل هم العقل والدفاع عن الفلسفة، إعادة الاعتبار للفلسفة من خلال رفع التهم التي ألصقت بها لأسباب سياسية وإيديولوجية وبغطاءات دينية، الإسلام يحرم الفلسفة بدعوى أنها كفر وإلحاد، وهذا منتهى الجهل والبعد عن الله تعالى… كنا ندافع عن الفلسفة، ندافع عن أنفسنا، نؤسس للمشروع الديموقراطي الحداثي ونقاوم الأخطار التي تتهدد الإنسان، العقل والحرية… كنا نشعر بقدوم قوى العنف والتدمير… وتلك مسؤولية يتحملها كل من دعم وشجع هيمنة الفكر اللاعقلاني.. أولئك الذين كان يزعجهم خطاب العقل والحرية، خطاب المنطق والنقد.. أولئك الذين كانوا يعتقدون أنه باقتلاع الفلسفة سيتم اقتلاع اليسار والقضاء على قوى التغيير… والآتي من الأيام سيكشف عن أوهامهم،  عن أخطائهم، سيتبين لهم أنهم كانوا يزرعون بذور العنف والإرهاب… وكان الحل هو التصالح مع الفلسفة والاعتراف بشرعية وجودها… وحدها الفلسفة قادرة على زرع قيم الحب والانفتاح، التضامن والتسامح… وحدها قادرة على معانقة الإنسان والجمال.

يناير 1981، بعد مرور ثلاثة أشهر في بداية مساري المهني كان الحدث، كان الموعد مع أول اختبار وأول تفتيش… ذات يوم ثلاثاء على الساعة 8 صباحا طرق المدير باب القسم مصحوبا بوافد غريب عن المؤسسة… إنه السيد المفتش، هكذا قدمه وعرفني به رئيس المؤسسة… لا أنكر أنه عشت لحظتها كثيرا من القلق والتوتر… أستاذ في بداية مشواره،  موظف في إطار الخدمة المدنية، حديث العهد بالقسم،  تجربة في بداية التأسيس… للمفتش في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ المغرب سلطة خاصة، سلطة ترعب وتخيف… لقد كانت المدرسة في هذه المرحلة، مثلها مثل سائر المؤسسات،  جهازا من أجهزة الدولة، جهازا للقمع والردع، للإخضاع والامتثال… وأعترف أن مفتش الفلسفة الأستاذ عبد الرحمان الريح، رحمه الله، بسلوكاته وممارساته، بتوجيهاته وإرشاداته، حطم كل الأحكام المسبقة والأطروحات الزائفة… معه رسمت صورة جديدة، صورة جميلة للمفتش… هو المعلم والمربي، المرشد والموجه، إنه الأب الروحي… إنه سقراط… عبد الرحمان الريح كان يقطن الرباط ومكلفا كمفتش بكل نيابات الشرق… وكنا ننتظر قدومه وزياراته… فهو المربي والإنسان، الأستاذ والمناضل… لقد كان مفتشا متميزا وممتازا… علمني كثيرا، وشجعني كثيرا، ولعب دورا كبيرا في الاحتفاظ بي وإدماجي في وزارة التربية الوطنية وكنت مهددا بالتشطيب بعد انقضاء مدة الخدمة… وكان هذا سيفا متسلطا على جميع المتخرجين الجدد…

وكان الدرس الذي حضره المفتش مناسبة لإثبات الذات، إبراز الكفاءات المعرفية والمهارات المنهجية… وأتذكر أنني قاربت إشكالية الفكر والواقع: المثالية والمادية. وعالجت هذه الإشكالية مع أول نسق فلسفي مثالي في تاريخ الفلسفة  ويتعلق الأمر بنظرية المثل عند أفلاطون، وكانت أسطورة الكهف مدخلا بيداغوجيا لهذه النظرية. مر زمن الحصة سلسا وممتعا، أحسست أنني نجحت، تفوقت على نفسي وكان تلامذتي في الموعد، انخرطوا في الدرس وساعدوني في بنائه. وجاءت لحظة التقويم والمناقشة، وكانت الملاحظات دقيقة وموجهة… وكان الدعم والتنويه من طرف المفتش المقتدر… وكانت هذه لحظة ميلاد آخر في مساري المهني.

يونيو 1981، موعد امتحانات الدورة الأولى لنيل شهادة البكالوريا، كلفت بالمراقبة في ثانوية وادي الذهب.. حضرت إلى المؤسسة على الساعة السابعة والنصف صباحا للقيام بمهمتي.. دعاني المدير إلى مكتبه وطلب مني الالتحاق فورا بثانوية عمر بن عبد العزيز بصفتي ملاحظا لتعويض أستاذ تعذر عليه إنجاز المهمة لأسباب صحية قاهرة… حاولت الاعتذار، طلبت من المدير إعفائي وتكليف غيري، فهي مهمة أجهل تفاصيلها… حسم المدير الأمر بقوله، ستتعلم، وأنت جدير بهذه المسؤولية… قبلت المهمة بمشاعر متناقضة، ثقل المسؤولية يقلقني وثانوية عمر تجذبني… وكان اللقاء مع مؤسسة عشقتها منذ الطفولة… تعرفت على المدير الأستاذ اسماعيلي، الذي كان اسمه  يسبقه، إنه المدير الذي بصم مع الكبار، رقم وازن في تاريخ المؤسسة… لاحظت وسجلت، كل الشروط كانت متوفرة لإنجاز الامتحانات… ولاحظت بعض التلاميذ المترشحين وبعض التلميذات المترشحات… مختلفون، ليسوا كغيرهم… مثال للانضباط ونموذج للهدوء… هادئون وواثقون… تمر على أقسامهم فيخيل إليك أنها فارغة… تطل فتفاجأ بوجود تلاميذ يفكرون ويجيبون… كل يعتمد على نفسه وكل يراهن على ذاته… المراقبون في استراحة تامة. لما استفسرت عن أمر هؤلاء، قيل لي أنهم تلاميذ وتلميذات العلوم الرياضية… إنهم الاستثناء، الأمل، المستقبل…

 

أوسمة :

أضـف تـعـلـيق 0 تـعـلـيـقـات